top of page

اقرأ الدوامة: الرمز بوصفه نظاماً حيّاً

  • 31 ديسمبر
  • 3 دقيقة قراءة


Ink on Linen, Read Out The Vortex

من النظرة الأولى، لا يقدّم عمل «اقرأ الدوّامة» نفسه كصورة يمكن هضمها بصرياً دفعة واحدة؛ بل كحقل لا يُقرأ إلا عبر الزمن. العين تُستدرج إلى الداخل، لا بفعل مركز واضح، بل بفعل حركة لولبية متراكمة، كأن السطح لا يعرض شكله، بل يُنشئ زمنه الخاص. هنا، لا تكون الدوّامة زخرفة، بل بنية قراءة.


ينتمي العمل إلى مجموعة «الدوّامة» التي تتعامل مع الحركة بوصفها شرطاً للوجود، ومع الرمز بوصفه وحدة بنائية لا دلالية فحسب. الرموز السوداء المرسومة بالحبر لا تُحيل إلى أبجدية مقروءة، لكنها تستدعي فعل القراءة نفسه: التتبّع، التوقّف، العودة، والانجراف. بهذا المعنى، لا يقول العمل «ما» نقرأ، بل كيف نقرأ.


السطح — قماش من الكتّان الرقيق المعالَج خصيصاً لتموضع الحبر — يعمل هنا كحامل ذي حساسية مادية عالية. بياضه ليس خلفية محايدة، بل مجالاً مفتوحاً للكتابة. بعد اكتمال العمل بالحبر، أُضيفت سبع طبقات رقيقة جداً من الأكريليك الشفاف كفعل تثبيت وحماية، يحفظ كثافة العلامة السوداء ويصون تباينها مع البياض. هذه الطبقات اللاحقة لا تُطفئ الأثر، بل تُغلّفه بزمن إضافي، كأنها توثّق الحركة بدل أن تُجمّدها. هكذا تصبح التقنية امتداداً للفكرة: تثبيت ما هو متحرّك، من دون كبح طاقته.


يتوزّع الحبر الأسود في أنماط مدروسة، لكنها غير ميكانيكية. هنا يبرز التوتّر الذي تشير إليه المجموعة بين الامتثال والعشوائية. الخطوط لا تُنفّذ كإيماءة حرّة خالصة على طريقة التعبيرية التجريدية، ولا كنسق صارم مغلق؛ بل كمنظومة مرنة، يمكن وصفها — استعارةً — بأنها «نظام يتنفّس». هذا التوازن يضع العمل في حوار غير مباشر مع تجارب الفن البصري والحركي، كما عند فيكتور فازاريلي (Victor Vasarely)، لكن من دون الاعتماد على الوهم البصري وحده؛ إذ إن الحركة هنا بنائية وفكرية أكثر منها إدراكية صرف.


Details of Read Out The Vortex

في قلب هذه الكثافة الخطية، تظهر النقاط اللونية، المنفّذة بالأكريليك باستخدام السكين. حضورها مقتصد، لكنه حاسم. اللون لا يهيمن، بل يَخْرِق النظام. تقنياً، اختلاف الأداة — السكين بدل الفرشاة — يُنتج اختلافاً في اللمس والسطح؛ وفكرياً، يُترجم فكرة محورية في العمل: أن الحياة، وإن وُجدت داخل أنظمة قوة وبُنى صارمة، تظل قادرة على إنتاج إيقاعها الخاص. كل نقطة تبدو كحدث مستقل، أو ككائن فردي داخل بنية شاملة.


الدوّامة ليست شكلاً طارئاً في الذاكرة البصرية للبشر؛ إنها من أقدم العلامات التي حاول بها الإنسان فهم الحركة التي تسبق الشكل، والزمن الذي يسبق المعنى. في النقوش الصخرية الأولى، وفي زخارف الطقوس البدائية، تظهر الدوّامة كأثر للدوران الكوني: حركة الماء، مسار الريح، التفاف المجرّات، ودورة الحياة والموت. لم تكن رمزاً يُقرأ، بل أثراً يُعاش — علامة على أن العالم لا يسير في خط مستقيم، بل يعود، يلتفّ، ويعيد تشكيل نفسه.


في الحضارات القديمة، اقترنت الدوّامة بفكرة الخلق المستمر، لا بوصفه لحظة تأسيس، بل كعملية لا تتوقّف. ومع تحوّل الفكر البشري في العصور الحديثة، لم تفقد الدوّامة قوتها الرمزية، بل تغيّر موقعها: من علامة كونية إلى استعارة للأنظمة، وللبُنى التي تعيد إنتاج ذاتها عبر الحركة والتكرار. هكذا صارت الدوّامة، في الوعي المعاصر، صورة مزدوجة: وعداً بالحياة، وتحذيراً من الانجراف داخل منظومات القوة.

«اقرأ الدوّامة» يتحرّك داخل هذا الإرث الطويل، لا ليُحيله إلى رمز جاهز، بل ليعيد تفعيله بصرياً. فالدوّامة هنا ليست شكلاً يُمثّل، بل نظاماً يعمل؛ لا تحكي عن الحركة، بل تُنتجها. إنها تضع المشاهد في الموضع نفسه الذي شغل الإنسان منذ بداياته الأولى: داخل الدوران، لا خارجه.


في النهاية، لا يدعونا العمل إلى فكّ شيفرة، بل إلى اختبار. هو عمل يُقاوم المشاهدة السريعة، ويكافئ الصبر. أهميته لا تكمن في رموزه بوصفها أشكالاً، بل في الطريقة التي تجعلنا نشعر بأننا — مثلها — نتحرّك داخل أنظمة، نكرّر، نختلف، ونستمر. إنه عمل عن الحياة، لا كقصة، بل كقوة.


تعليقات


bottom of page