رؤية تشكيلية في الإنسان والمكان


زهير غانم


إحدى وعشرون لوحة فنية بالأبيض والأسود، والألوان كبيرة وصغيرة، حصيلة معرض الفنان السوري نصر ورور في مسرح بابل، وفيها يتطارح الفنان الرؤيا الجمالية التي يراها ويتجارحها، وكأنه يتكاتب اللوحة بالخط ويتقارؤها بمنمنمات وأرابسك الألوان، وهو يتغول ويتغور في الهندسات المرئية واللامرئية التي يتواصل فيها مع الكائن والعالم.


في أسلوب تفكيكي، وكأن الكائن أو المدينة عبارة عن صفائح معدنية في لوحات الأبيض والأسود وغيرها، وهو يشعل الفراغ بالشكل والأشكال والعناصر، والنقاط اللونية الخزفية، كما لو أنه يشكل الفراغ وتشكيل الفراغ يفضي الى تدوين الأشكال بهذه الحدة البنائية المشوبة ببعض الغنائية، التي تحيق الكائن كخطوط تتاخم الفراغ، ولاتضبط الشكل الذي كأنه متكسر محطم في فراغه، وهو مرمي كاحتمال وجود في هذا السديم اللوني، سواء كان سماء أم أرضاً، إلا أن الفنان يتخايل ويتصاور ويتراسم أشكاله وألوانه، في تعبيرية محمحمة محتدمة، وفي شبهات تجريد وفي لوحة البعد الواحد، لكأنه حروفي الجسد في الألف العمودية، والمائلة،والمستلقية، ونون النسوة في التقويس والإنحناء والتدوير، ولد يه المو سيقى الشرقية الإشراقية، في نجومية الألوان ونقاطها، وفي أرابسكها، وشطرنجها، أي في رهان الحياة فيها في التربيع والتحلزن، ونخروبيات الجسد، وفي الإيحاء، بكتله، وتسطيحه، ومنعرجاته وانطوائه على مجريات العالم، في الأحلام والكوابيس، وكأن الرجل والمرأة يتواصلان، منفصلين، وينفصلان متواصلين، وكأن لا شأن بهما سوى الحضور في هذا الفراغ السديمي.


هذا الوجود العبثي العدمي الذي يتخلله الرعب من الموت وتجربة الفنان الجديدة المتجددة الإختبارية في معمعة التجارب التشكيلية ربما كانت لها ظلال وأشباه عند فنان سوري كبير وأصيل هو الفنان سعد يكن في كائناته وفراغاته، لكن الفروقات والسمات متغيرة عند كل منهما. كذلك الموسيقى والإيقاعات التي لنصر ورور، وذلك العنف والقسوة في تدوين الأشكال والأ لوان، والكائنات الإنسانية، والمتاهة الوجودية التي يضرب كل منهما فيها، ويشعل نيرانه في الأجساد، والأرواح الضائعة، كأنما في جحيم العالم، وهكذا يكون للفنان حساسيته، ومشاعره، سماته ووشمه وبصماته في أعماله التي تستغرق هذا الفراغ المتكسر بسببها، أو المهندس على غير قياس، وربما من جحيم دا نتي، أو غفران أبي العلاء، الى جورنايكا بيكاسو. هنالك شبهات تحوم وتدوم في الأعمال، يتحاصدها الفنان، يتزارعها ويستنبتها في لوحاته التي تتضور وتتضرى، وتضطرم، وتصطرخ، عبر لغاتها التشكيلية الجمالية، التي يتحامل فيها الفنان على احتمال الوجود، وعلى ظلال الكائنات التي تتشاكل وتخلق الإلتباسات.


في جواهر خطوطه وألوانه، وتتطارح الأسئلة على مشاهد هذه اللوحات ا لذي ينفرد بما يرى، ويحاول استكناه المبنى فيها، و كذلك المعنى الملتبس، والإيحاءات والدلالات التي يستغرقها فيها، وهي ليست بسيطة ولا هينة، فهو يمحي في البياض، ويعتم ويتغامق في السواد، لكنه يتراءى ويتلامح في لوحاته ويتلامع فيها، بل كأنه ينغمد وينطوي، ويصحو ويمحو، ويتخافى ويتظاهر، حتى نصل الى غبار الطلع الذي يخصب الطبيعة، وإلى الولادة والموت، والتقمص والتناسخ الذي يعتريه فيها، حيث يتوحدها ويفككها أيضاً، ويتراءى في أبراجها ومقاماتها، وأحوالها ومقابساتها، وفي مداراتها، وأقانيمها السرية، حيث الرقى والتعاويذ، وقرابات الأ شكال، والبحث في الرغبات التي تصطرخ وتصطلم فيها، كما لو أنه في المشتبه غير المتشابه، عبر اسلوبه الفني، وتوالده لهذه الأشكال وللمدينة أيضاً، وعليه كاشف أسراره، مستبصراً ما يرى وما لا يرى، وعليه استكمال ما يكون الفنان يرى في نقصانه.


إنه في أعمدة الحكمة السبعة المكسرة في الأجساد، ولا تتمايز الخطيئة والقداسة فيها، على أنه يحاول تخليقها من جديد، ووضعها في سياقات الطيران، والوقوف، والجلوس والاستلقاء والإختلاط حيث يريد تجوين الأشكال وتجويفها، وتناحتها وتحافرها على حواف وجودها، وتخطيطها، وتنقيطها، وكأنه عبر كائناته في خفة الكائن التي لا تحتمل، ونشعر بإمكان تقشيرها عن اللوحة، أو أنها يمكن أن تهر وتتساقط في ما لو نفخنا عليها، أو هبت الرياح في فراغها، وكأن الفنان يتغارس كائناته وينميها الى عناوين الطبيعة التي تدعم ا ستمرار الحياة من خلال غبار الطلع وثمار الشجر والأزهار، وكذلك من خلال الخصوبة بواسطة الأمطار.


ربما لا نرى ربطاً أو تعالقاً مباشراً بين العناوين الموحية لكن هذه العناوين تؤشر اللوحات، لأن فضاءاتها، غنية بالمعاني الدالة وبانورامية الاحتمالات في وجودها الملتبس، المتقلقل، المتزلزل، والمتبركن ذلك، لأن نيراناً سرية تطبخ طزاجة الحياة، ويضمرها الفنان في طيات لوحاته وفي حناياها، وزواياها الطقوسية المسحورة التي يتناقلها من هيئة الى هيئة حتى يتكاشفها كما تقر عليها، وهي لا تكتمل، إنها راغبة بنقصانها تتطلع إلى الوجود واللاوجود في آن معاً، حيث حالاتها الجمالية في الغربة والغرابة والإغتراب، ودهشة الحضور والغياب.


جريدة اللواء

السبت، ١٦ تشرين الأول ٢٠١٠